قال تعالى :
( إن الصفا و المروة من شعائر الله ، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، و من تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ) .
من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم :
( رب اغفر و ارحم ، و اعف عما تعلم ، إنك أنت الأعز الأكرم ) .
( رب اغفر و ارحم و اهدني السبيل الأقوم ) .
السعي
******
المحتوى :
********
ô ماء زمزم المبارك .
ô الشرب من ماء زمزم .
ô الدعاء عند الملتزم .
ô شروط السعي .
ô كيفية السعي .
ô الدعاء بين الصفا و المروة
ô أخطاء في السعي .
ô دعاء بعد تمام السعي .
ô التحلل من الإحرام .
ô أخطاء في الحلق و التقصير .
ô طواف الوداع : حكمه ، كيفيته .
ô الدعاء في طواف الوداع .
ô الدعاء بعد طواف الوداع .
ô أخطاء في طواف الوداع .
بسم الله الرحمن الرحيم
] و إذا فرغ الطائف من طوافه ، و صلى ركعتيه عند المقام ، استحب له أن يشرب من ماء زمزم المبارك .
Öمـــــــاء زمـــــــزم :
]ماء زمزم آية كبرى من آيات الله البينات في بيت الله و حرمه ، و هو أولى الثمرات التي أعطاها الله تعالى لنبيه إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام حين دعا بقوله : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، و ارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون } . و بهذا يتصف ماء زمزم بالأولية ، كما يتصف البيت العتيق بالأولية ، حيث أنه أول بيت وضع للناس .
]و هو ماء كثير لا يفنى و لا ينقطع على كثرة الاستسقاء ، باق ما يقيت الدنيا . و هو عين من عيون الجنة :روى هذا الأثر عن ابن عباس رضى الله عنهما ، إلا أن له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، لأنه مما لا مجال للرأي و الإجتهاد فيه . و أخرج الفاكهي عن عبدة بنت خالد بن معدان عن أبيها ، قال : ( إنه كان يقال : ماء زمزم ، و عين سلوان التي في بيت المقدس من الجنة ) . خالد بن معدان هو من سادات التابعين ، شيخ أهل الشام ، ثقة عابد .
]و ماء زمزم من نعم الله العظمى التي جعلها الله تعالى للمؤمنين في هذا المكان الطيب المبارك عند بيته المحرم .. قال تعالى : ( و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم و يذكروا اسم الله في أيام معلومات ) . و من أعظم هذه المنافع العظام التي يشهدها الحجاج و العمار في حرم الله : منفعة ماء زمزم ، حيث يشربون و يتضلعون منه ، و ينالون من خيراته و بركاته ، و يكسبون الدعاء المستجاب عند شربه ، فماء زمزم لما شرب له من حوائج الدنيا و الآخرة ،
]هو ماء إن شربته بنية الشبع أشبعك الله ، وإن شربته بنية الشفاء شفاك الله ، و إن شربته لأي حاجة قضاها الله .
و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال : { ماء زمزم لما شرب له : إن شربته تستشفي شفاك الله ، و إن شربته لشبعك أشبعك الله ، و إن شربته لقطع ظمئك قطعه الله ، و هي هزمة ( حفرة ) جبرائيل ، و سقيا الله إسماعيل } . رواه الدار قطني ، و الحكم ، و زاد : و إن شربته مستعيذا أعاذك الله .
قيل في شرح هذا الحديث : ماء زمزم لنا شرب له ، لأنه سقيا الله و غياثه لولد خليله ، فبقي غياث لمن بغده ، فمن شرب بإخلاص وجد الغوث . و لفظ ( ما ) في قوله صلى الله عليه و سلم : ( لما شرب له ) من صيغ العموم ، فتعم أي حاجة دنيوية أو أخروية: فالشارب لزمزم إن شربه لشبع أشبعه الله ، و إن شربه لري أرواه الله ، و إن شربه لسوء خلق حسنه الله ، وإن شربه لضيق صدر شرحه الله ، و إن شربه لانغلاق ظلمات الصدر فلقها الله ، و إن شربه لغنى النفس أغناه الله ، وإن شربه لحاجة قضاها الله ، و إن شربه لأمر نابه كفاه الله ، و إن شربه لكربة كشفها الله ، و إن شربه لنصرة نصره الله ، و بأية نية شربها من أبواب الخير و الصلاح ، و فى الله له بذلك ، لأنه استغاث بما أظهره الله تعالى من جنته غياثا ) .
]و هو ماء له فضل عظيم ، و قدر كبير ، فهو سيد المياه و خيرها ، و أشرفها و أجلها ، و في هذا يقول النبي صلى الله عليه قال : { خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم ، فيه طعام الطعم ، و شفاء السقم } .
سيد المياه و خيرها: فمن فضل غيره عليه ، متعللا بما تمليه عليه نفسه بسبب جهله بفضل هذا الماء المبارك أو ضعف إيمانه ، فقد أخطا كل الخطأ ، و جانب الصواب الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم .
طعام الطعم : أي أنه يشبع من شربها : جعل الله من خصائص ماء زمزم و فضائله أنه يقوم مقام الغذاء في تقوية الجسم ، و يمكن لشاربه الاستغناء به عن الطعام ، بخلاف سائر المياه .
]و هو ماء غسل به جبريل الأمين قلب النبي الأكرم صلى الله عليه و سلم ، و ما كان ليغسل إلا بأشرف المياه . و هو ماء مبارك بارك فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم بريقه الشريف ، فزاد بركة على بركة .
]و سن رسول الله صلى الله عليه و سلم الوضوء به ، و جعل الإكثار من شربه ، و التضلع منه علامة للإيمان ، و براءة من النفاق ؛
روى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : { آية ما بيننا و بين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم } .
يتضلع : أي يمتلئ شبعا ، و ريا حتى يبلغ الماء أضلاعه : أي يشرب المسلم منها ما استطاع ، و بملأ بطنه منها .
و التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق ؛ لآن المسلم إنما يتضلع من ماء زمزم إيمانا و تصديقا بترغيب النبي صلى الله عليه و سلم من ندب الإكثار منه ، و اعتقادا لفضله .
فمن صدق بالأحاديث الواردة في فضل ماء زمزم ، و آمن بترغيب النبي صلى الله عليه و سلم في التضلع منها لبركتها و خيرها ثم لم يشرب منها و لم يتضلع منها ، فليس بمنافق لكنه ترك الخير الكثير .
أما المنافق فهو من لم يصدق بفضلها ، و لم يشربها زهدا فيها ، و رغبة عنها ، و يرى أن غيرها أولى منها ، و الله أعلم .
]و لما كان لماء زمزم هذا الفضل العظيم ، و الخير العميم ، كان زمزم من أفضل التحف والقرى ، فكان رسول الله صلى الله عليه إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم .
]و سن رسول الله صلى الله عليه وسلم التزود منه ، وحمله إلى الآفاق ، و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستهدي منه ، و كانت عائشة - رضي الله عنها - تحمل من ماء زمزم ، و تخبر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يحمله .
Öالشرب من ماء زمزم المبارك :
************************
] و إذا فرغ الطائف من طوافه ، و صلى ركعتيه عند المقام ، استحب له أن يشرب من ماء زمزم المبارك .
] و بستحب أن يكون شرب ماء زمزم على ثلاثة أنفاس ، و أن يستقبل به القبلة ، و يتضلع منه ، و يحمد الله .
يتضلع : أي يمتلئ شبعا ، و ريا حتى يبلغ الماء أضلاعه : يشرب المسلم منها ما استطاع ، و بملأ بطنه منها .
] يسن أن ينوي الشارب عند شربه الشفاء و نحوه مما هو خير في الدين و الدنيا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : { ماء زمزم لما شرب له } : أي نافع لما نوى الشارب شربه لأجله ، فليحرص كل من يشرب من ماء زمزم أن يدعو الله عند شربه ، و ليسأل الله تعالى من خيري الدنيا و الآخرة ، من علم ، أو عمل ، أو عافية ، أو سعة رزق ، أو سعادة في الدنيا و الآخرة ، أو لعطش يوم القيامة إن شاء الله ، فهو سبحانه جواد كريم و بالإجابة جدير .
] كان ابن عباس - رضي الله عنهما - إذا شرب من ماء زمزم قال : ( اللهم إني أسألك علما نافعا ، و رزقا واسعا ، و شفاء من كل داء ) .
]روي أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - لما شرب ماء زمزم دعا بقوله : ( اللهم إني أشربه لظمأ يوم القيامة ) .
]وعن سويد بن سعيد قال : رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى ماء زمزم ، و استسقى منه شربة ، ثم استقبل الكعبة ، فقال : اللهم إن ابن الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : { ماء زمزم لما شرب له } . و هذا أشربه لعطش يوم القيامة ، ثم شرب .
] و روى أن الشافعي ( رحمه الله تعالى ) قال : شربت ماء زمزم لثلاث :
للرمي : فكنت أصيب العشرة من العشرة ، و التسعة من العشرة . و للعلم : فها أنا كما ترون .
و لدخول الجنة : فأرجو حصول ذلك .
]روي أن أبي حنيفة ( رحمه الله تعالي ) أنه شرب ماء زمزم للعلم و الفقاهة ، فكان أفقه أهل زمانه .
]قال ابن القيم ( رحمه الله تعالى ) : ( و قد جربت أنا و غيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورا عجيبة ، و استشفيت به من عدة أمراض ، فبرأت بإذن الله ) . و يقول : ( و لقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه ، و فقدت الطبيب و الدواء ، فكنت أتعالج بها أي بماء زمزم بقوله تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين } ، آخذ شربة من ماء زمزم ، و أقرؤها عليها مرارا ، ثم أشربه ، فوجدت بذلك البرء التام ، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع ، فأنتفع بها غاية الانتفاع ) .
]قال أحد الصالحين حججت مع جماعة ، و معهم رجل مفلوج ، فوجدته يطوف بالبيت سالما من الفالج ، فقلت له : كيف ذهب ما بك ؟
فقال : جئت إلى ماء زمزم ، فأخذت من مائها ، فحللت به دواة كانت معي ، و كتبت في إناء : بسم الله الرحمن الرحيم ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب و الشهادة ، هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ، سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور ، له الأسماء الحسنى ، يسبح له ما في السموات و الآرض و هو العزيز الحكيم ) . و قوله تعالى : ( و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة لمؤمنين و لا يزيد الظالمين إلا خسارا ) . و قلت ( الراوي ) :
اللهم إن نبيك محمد صلى الله عليه قال : ( زمزم لما شرب له ) ، و القرآن كلامك فاشفني بعافيتك ، و حللته بماء زمزم و شربته ، فعوفيت ، و تخلصت من الفالج بإذن الله من غير معالج ، فلله الحمد على ذلك .
]قال الإمام محمد بن الجزري أن والده أخبره أنه شرب ماء زمزم لأن يرزقه الله ولدا ذكرا يكون من أهل القرآن ، فولد له الإمام محمد بن الجزري . و قال بعضهم : شربته لأن يرزقني الله ولدا ذكرا ففعل .
]و بجب ملاحظة أن شارب زمزم ينال من مطاليبه على قدر نيته ، و صدق إلتجائه و توجهه إلى ربه تعالى ، و إخلاصه في الدعاء ، و على قدر بعده عن موانع إجابة الدعاء : كأكل المال الحرام ، و إستعجال الإجابة .
]و قد يستجيب الله تعالى للعبد دعوته عاجلا، أو يدخرها له إلى يوم القيامة ، أو يصرف عنه بمثل دعوته من السوء الذي كان سيأتيه من حيث لا يدري ، و ذلك بسبب دعائه .
]فشارب زمزم للشفاء مثلا قد يدفع ( يبعد ) الله تعالى عنه من الأمراض التي فيه ، أو كانت ستأتيه مما لا يعلمه العبد نفسه ، و في مثل هذا كله يظن العبد أن الله لم يستجب له . و في هذا يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم : { ما من مسلم يدعو الله عز و جل بدعوة ليس فيها إثم و لا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال : إما أن يعجل له دعوته ، و إما أن يدخرها له في الآخرة ، و إما أن يصرف عنه من السوء مثلها ؛ قالوا : إذا نكثر ؟ قال : الله أكثر } .
]و هكذا فالأصل باق أن ماء زمزم شفاء سقم ، و أنه لما شرب له ، و كما قال القاضي ابن عربي المالكي : ( إن هذا موجود إلى يوم القيامة ، لمن صحت نيته ، و سلمت طويته ، و لم يكن مكذبا ، و لا شربه مجربا ، فإن الله مع المتوكلين ، و هو يفضح المجربين ) .
]سبحان الله هو الشافي لا شفاء إلا شفاؤه ، جلت قدرته و حكمته ، و ما على المسلم إلا أن بتحلى بقوة إيمان و صدق التجاء إلى الله عز و جل ، و إخلاص له سبحانه وتعالى ، فهو على كل شئ قدير ، و بالإجابة جدير .
Öدعاء الملتزم :
]و بعد الشرب من ماء زمزم يستحب الدعاء عند الملتزم ، فإن الدعاء هنا مرجو الإجابة ، إن شاء الله تعالى .
]قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : { ما بين الركن و المقام ملتزم ، ما يدعو به صاحب عاهة إلا برأ } .
]قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -: { ما دعا أحد بشيء في هذا الملتزم إلا استجيب له } .
]و روى البيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : أنه كان يلزم ما بين الركن و الباب ، و كان يقول
ما بين الركن و الباب يدعو الملتزم ، لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إياه ) .
Ö ( و للمسلم أن يدعو عند الملتزم بما شاء من خيري الدنيا و الآخرة ) ،
]اللهم يا رب البيت العتيق ، اعتق رقابنا ، و رقاب آبائنا ، و أمهاتنا و إخواننا ، و أولادنا من النار ، يا ذا الجود ، و الكرم ، و الفضل ، و المن ، و العطاء ، و الإحسان . اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، و أجرنا من خزي الدنيا ، و عذاب الآخرة ، اللهم إني عبدك و ابن عبدك ، واقف تحت بابك ، ملتزم بأعتابك ، متذلل بين يديك ، أرجو رحمتك ، و أخشى عذابك ، يا قديم الإحسان ، اللهم إني أسألك أن ترفع ذكري ، و تضع وزري ، و تصلح أمري ، و تطهر قلبي ، و تنور لي في قبري ، و تغفر لي ذنبي ، و أسألك الدرجات العلى من الجنة ،
]و بعد أْن يدعو المحرم الله عز و جل عند الملتزم بما شاء من خيري الدنيا و الآخرة ، يستلم الحجر و يقبله ، أو يشير إليه ، و يتجه إلى الصفا تاليا قوله تعالى :
{ إن الصفا و المروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما و من تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } . ثم يبدأ السعي بين الصفا و المروة .
Öينبغي لمن يسعى بين الصفا والمروة ، أن يستحضر فقره ، و ذله ، و حاجته إلى الله عز
و جل في هداية قلبه ، و صلاح حاله ، و غفران ذنبه ، و أن يلتجئ إلى الله تعالى لتفريج ما هو به من النقائص و العيوب ، و أن يهدبه إلى الصراط المستقيم ، و أن يثبته عليه إلى مماته ، و أن يحوله من حاله التي هو عليها من الذنوب و المعاصي إلى حال الكمال ، و الغفران ، و السداد ، و الاستقامة ، كما فعل بهاجر عليها السلام ، فمن المعلوم أنها لما خافت على ابنها الضيعة ، و نفد ما عندهما ، قامت تطلب العون من الله سبحانه و تعالى ، فلم تزل تتردد في تلك البقعة المشرفة بين الصفا و ا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |